أحمد بن محمد القسطلاني

259

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

محسوسًا مما يحل غلقًا : كالقفل ، وعلى ما كان معنويًّا . وذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى ، لأن العدد لا ينفي زائدًا عليه ، أو لأن هذه الخمس هي التي كانوا يدعون علمها : ( لا يعلم أحد ) غيره تعالى ( ما يكون في غد ) ، شامل لعلم وقت قيام الساعة وغيره ، وفي رواية سالم عن أبيه ، في سورة الأنعام ، قال : مفاتيح الغيب خمس { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } [ لقمان : 34 ] . . . إلى آخر سورة لقمان . ( ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام ) أذكر أم أنثى ، شقي أم سعيد إلا حين أمره الملك بذاك . ( ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا ) من خير أو شر ، وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه . ( وما تدري نفس بأي أرض تموت ) كما لا تدري في أي وقت تموت . روي أن مالك الموت مرّ على سليمان بن داود ، عليهما الصلاة والسلام ، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه ، فقال الرجل : من هذا ؟ فقال : ملك الموت . فقال : كأنه يريدني ، فأمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ، ففعل . ثم أتى ملك الموت سليمان ، فسأله عن نظره ذلك ، قال : كنت متعجبًا منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند في آخر النهار ، وهو عندك . ( وما يدري أحد متى يجيء المطر ) زاد الإسماعيلي : إلا الله ، أي : إلا عند أمر الله به ، فإنه يعلم حينئذ ، وهو يرد على القائل : إن لنزول المطر وقتًا معينًا لا يتخلف عنه . وعبر بالنفس في قوله : " وما تدري نفس بأي أرض تموت " . وفي قوله : " ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدًا " وفي الثلاثة الأخرى بلفظ : أحد ، لأن النفس هي الكاسبة ، وهي التي تموت . قال الله تعالى : { كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } [ المدثر : 38 ] { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ } [ آل عمران : 185 ] فلو عبر : بأحد ، لاحتمل أن يفهم منه : لا يعلم أحد ماذا تكسب نفسه ، أو : بأيض أر تموت نفسه ، فتفوت المبالغة المقصودة بنفي علم النفس أحوالها ، فكيف غيرها ؟ وعدل عن لفظ القرآن ، وهو : تدري إلى لفظ : تعلم ، في ماذا تكسب غدًا لإرادة زيادة المبالغة ، إذ نفي العام مستلزم نفي الخاص من غير عكس ، فكأنه قال : لا تعلم أصلاً سواء احتالت أم لا . وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في سورة الأنعام ، والرعد ، ولقمان . بسم الله الرحمن الرحيم ( بسم الله الرحمن الرحيم ) كذا ثبتت البسملة ، هنا في رواية كريمة ، وسقطت لغيرها ، وهي ثابتة في اليونينية . 16 - كتاب الكسوف هو بالكاف : للشمس والقمر ، أو بالخاء : للقمر ، وبالكاف : للشمس ، خلاف يأتي قريبًا إن شاء الله تعالى ، حيث عقد المؤلّف له بابًا . والكسوف هو التغير إلى السواد ، ومنه : كسف وجهه إذا تغير ، والخسوف بالخاء المعجمة : النقصان ، قاله الأصمعي . والخسف أيضًا : الذال ، والجمهور على أنهما يكونان لذهاب ضوء الشمس والقمر بالكلية ، وقيل : بالكاف في الابتداء ، وبالخاء في الانتهاء . وقيل بالكاف : لذهاب جميع الضوء ، وبالخاء لبعضه . وقيل : بالخاء لذهاب كل اللون ، وبالكاف : لتغيره . وزعم بعض علماء الهيئة أن كسوف الشمس لا حقيقة له ، فإنها لا تتغير في نفسها ، وإنما القمر يحول بيننا وبينها ونورها باق ، وأما كسوف القمر فحقيقة ، فإن ضوءه من ضوء الشمس ، وكسوفه بحيلولة ظل الأرض بين الشمس وبينه بنقطة التقاطع ، فلا يبقى فيه ضوء البتة ، فخسوفه ذهاب ضوئه حقيقة . اه - . وأبطله ابن العربي بأنهم : زعموا أن الشمس أضعاف القمر ، وكيف يحجب الأصغر الأكبر إذا قابله . وفي أحكام الطبري في الكسوف فوائد : ظهور التصرف في هذين الخلقين العظيمين ، وإزعاج القلوب الغافلة ، وإيقاظها ، وليرى الناس نموذج القيامة ، وكونهما يفعل بهما ذلك ثم يعادان ، فيكون تنبيهًا على خوف المكر ، ورجاء العفو ، والإعلام بأنه قد يؤاخذ من لا ذنب له ، فكيف من له ذنب ؟ . وللمستملي : أبواب الكسوف بدل : كتاب الكسوف . 1 - باب الصَّلاَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ ( باب ) مشروعية ( الصلاة في كسوف الشمس ) وهي : سنة مؤكدة لفعله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وأمره ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى . والصارف